يوما بعد يوم، ومع تكرار الأحداث، يوقن العالم أن الدول المسماة بالدول العربية أو الإسلامية هى دول ما زالت فى دور المراهقة السياسية والفكرية، تعيش بعيدة فى واد سحيق تحبس نفسها فيه بإرادتها مهما تقارب العالم بوسائل الاتصال الحديثة، كأنهم يعيشون فى بلاد واق الواق. ينفعلون ويثورون لأتفه الأسباب دون روية او دراسة للحدث وما وراء الحدث، حتى أطلق مفكرو العالم على بلادنا بأنها ظاهرة صوتية انفعالية، تثور كالبركان ثم تخبو وهلم جرا. يتجلى ذلك واضحا فى إزمات متلاحقة كان آخرها اختيار سويسرا فى استفتاء ديموقرطى بأغلبية 57.5% حظر إقامة المآذن. أعرب الدكتورعلي جمعة مفتي الديار المصرية عن شجبه واستنكاره لتمرير مبادرة حظر المآذن وقال في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط: لقد سمعنا بأسي بالغ عن هذه المبادرة التي لا تعتبر هجوما علي حرية الاعتقاد فحسب بل أيضا محاولة لإهانة مشاعر المجتمع الإسلامي داخل سويسرا وخارجها، وتعمق مشاعر الكراهية والتمييز ضد المسلمين لأنه لن يشمل إلا أماكن عبادتهم فقط، وأشار المفتي إلي أن هذا الإجراء مناقض لحرية الاعتقاد والضمير المكفولة بالدستور الفيدرالي السويسري. وقد نسى أوتناسى فضيلته أن المنع لم يشل إقامة المساجد التى تنتشر فى كل مكان دون عوائق. ولم يلفت نظر فضيلته مدى التناقض فى توجهاته، حيث لم نسمع لفضيلته أى شجب أو اعتراض حتى لو كان همسا لمنع الأجراس بكنائس الكويت، أو منع أقامة الكنائس على الإطلاق بالسعودية، والأدهى أن فضيلته قد تعامى عما يحدث من هدم وحرق الكنائس ومنع صيانة ما يحتاج منها للصيانة فى مصر ولم يلحظ أن الدستور المصرى أيضا به مادة تساوى بين العقائد وحق المواطنة للجميع، لكنها مجرد حبر على ورق لإيهام لعالم أن مصر تؤمن بميثاق حقوق الإنسان. كما أكد الدكتور عبدالمعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية وعميد كلية أصول الدين السابق أن نتيجة الاستفتاء السويسرى جاءت بمثابة الانقلاب لصالح التطرف وانعدام الحريات وكراهية الإسلام وطالب باعادة النظر تجاه البلد الذي طالما اشتهر بالأمن والثقة فكانت بنوكه مستودعا لرءوس أموال أغنياء المسلمين في العالم إلا أنه بعد الاستفتاء الأخير أصبح ليس محلا للثقة أو الحريات، وعلي الحكومة السويسرية انقاذ سمعة سويسرا وإعادة النظر في التعامل مع هذا الاستفتاء الذي يؤكد أن السياسة السويسرية أصبح يتحكم فيها المتطرفون. وربما يرى فضيلة الشيخ أن مخططات العدوان على بيوت وممتلكات وأرواح المسيحيين فى مصر دليل على التسامح الدينى وتظهر مدى العشق للمسيحية ولذلك لم نسمع له رأيا فيما يحدث، وربما نسى أو تناسى أن أثرياء المسلمين يضعون أموالهم المنهوبة من قوت شعوبهم المطحونة فقرا فى بنوك سويسرا ليس حبا فى زرقة عيون السويسريات ولكن للتهرب من المساءلة والهروب بجرائمهم من سطوة القانون. حتى الرجل الطيب الأكثر فهما وتسامحا د. طنطاوي شيخ الأزهر وصف الاستفتاء بأنه يؤذي مشاعر المسلمين وقال خلال لقائه بالسفير السويسري بالقاهرة إن الاستفتاء ضد حرية الأديان ويعطي حجة للتشدد ويشجع المتطرفين، وكأن المتطرفين يعدمون الفرصة وهم رواد خلق الفرص للفتك بكل من هو مخالف لما يعتقدون..! كما استنكر المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة الذي يضم في عضويته 80 منظمة عالمية نتيجة الاستفتاء ووصفه في بيان له بأنه هجوم غير مبرر علي حرية الاعتقاد، واعتبر البيان إن الاستفتاء يعمق مشاعر الكراهية والتمييز ضد الإسلام والمسلمين، ولم يخطر على بال هذا المجلس المرائى التمييز الواضح لغير المسلمين فى بلادهم. أما د. فتحى سرور رئيس مجلس سيد قراره فقد أوضح كرجل قانون، أن الإستفتاء الذى حدث فى سويسرا يعتبر إساءة للحريات الدينية لأن الحرية الدينية فى نظره معناها إحترام الرموز الدينية مؤكدا أن المآذن جزء أساسى من الرمز الإسلامى للمسجد. حتى أنت يا بروتس، ترشق الناس بالحجارة وبيتك من اوهى أنواع الزجاج، فأنت ترأس مجلسا يرفض مناقشة مشروع بناء دور العبادة الموحد وتؤجله من دورة الى دورة وقد أغلقت عليه الأدراج، والأجدر بك أن تخرج الخشبة من عينك حتى تبصر القذى فى عيون الآخرين. وحذر الفقيد كوميديان العرب من حرب صليبية جديدة قائلا: الدعوة إلى حظر المآذن والتخويف من الأسلمة هى لعب بالنار وستنقلب على الغرب، وأريد أن أنبههم أنهم إذا كانوا يريدون عالما متعاونا وإستثمارات متبادلة وسلاما وإستقرارا ينتبهون ويقفون عند حدهم. أما إذا كانوا يريدون أن ندخل مرحلة صليبية جديدة ندخلها وهم البادئون، ويقول: بقيتم تحاربون المساجد، وأعطيتم الحجة للذين يريدون محاربة الكنائس، وما قدمته سويسرا لنا أعطانا مبررا بإمكانية أن نلغي كل ما سمحنا به بشأن الدين المسيحى، ويعطينا المبرر لإلغاء التسامح الدينى الذى سمح بالكنائس والصلبان وهى رمز للوثنية، ونحن نعرف أن المسيحية ديانة وثنية سمحنا بها من باب التسامح والإنسانية، لماذا تخاف سويسرا من أن تصبح مسلمة؟ فلو كان سيرحمهم الله، كل أوروبا تصبح مسلمة، شاء الله لا يرحمهم، ويبقون على الوثنية، ولا يدخلون الإسلام، الغرب متقدم جدا من الناحية التقنية ومتخلف جدا من الناحية الحضارية، وتقدمهم جعل من حياة البشر جحيما من خلال تقنيتهم التي خلقوها لإبادة الإنسانية، ونحن لم نصل إلى هذه الدرجة من التقدم لكن نحن نمثل الإنسانية. أضحكنى كالعادة كلام الفقيد واعتبره نموذجا لكوميديا الفارس التى يقدمها فخامته على مسرح السياسة الليبى البائس، ولكن لن نغفر له تطاوله على المسيحية والصليب المقدس رمزها ونعتبره اقذر أنواع الازدراء بالأديان، لكنه فى النهاية مجرد هزيان حيوان معتوه لا يؤاخذ ولا يعتد بما يقول، ولا بد من تقديمه لمحكمة العدل الدولية بتهمة ازدراء المسيحية.
وهناك بعض الحقائق غفل أو تغافل عنها السادة المتشنجون منها: يوجد 400 ألف مسلم في سويسرا (4% من السكان) أتو من يوغوسلافيا السابقة هربا من الحرب الأهلية زمن الزعيم الصربي الراحل سلوبودان ميلوسوفيتش أحتضنتهم ويسرا وأتاحت لهم حرية العبادة وبناء المساجد. وأن القرار جاء في إطار الديمقراطية التي تتمتع بها سويسرا. لم يكن في زمن النبي ولا خلفائه الراشدين مآذن وانما ظهرت ايام الفاطميين ثم استمرت، إذن فالمآذن ليست من أسس الدين. وأن الاعتراض على الاستفتاء السويسرى يعتبر تدخلا فى الشئون الداخلية لدولة ديموقراطية ذات سيادة. وفى رأيى أن احد أسباب رفض المآذن هو رغبة المسلمون فى أن تكون مساجدهم أعلى من الكنائس من منطلق "إلهي أعلى، ونبيي أعلى، وثقافتي أعلى، ومكاني أعلى، وهويتي أعلى، وهذا ما يرفضه السويسريون خوفا من ثقافة ما وراء المئذنة وطريقة تفكير ماورائها، وبالتالي كان الفيتو للعقل المدبر للمئذنة.